"البدون" هكذا يسمونك هناك، وهذا يعني أن تعيش مجرداً من أي أوراق رسمية تشير إلى وجودك، مع العلم أن كل الأوراق الرسمية غبية! يعني أن ترى العالم ولا يراك العالم، أن تحتاج طوال حياتك إلى جحيم اسمه الآخرون كي تخطف بحياة/عمل/علم... الخ، يعني أن تنال أي وظيفة مهما بلغت من مراتب علمية ما دام شروط "نسخة من الجنسية" مدرجاً ضمن شروط التعيين... تزداد تمرداً وبلادة..". في ارتطامها الذي لم يسمع له دوي تمضي بثينة العيسى لتحكي وبأسلوب متميز حكاية الإنسان العربي الذي من الصعب أن يجد لنفسه مكاناً في هذا العالم. صبية عربية تنعم عليها الأقدار بزيارة إلى السويد وتحديداً إلى مدينة "أبسالا" التي وعندما لامست ثراها لأول مرة أحست بأنها تشهد عالماً متميزاً حتى بطبيعته. "نهارات هذه المدينة كائنات خافتة، تأتي بأذرع متشابكة، وكأنما تخشى أن تفلت من الزمن لحظة دونما ضوء، هنا.. لا تجد العتمة إلا في باطنك العميق، حيث أنت وحدك توغل في التيه، العالم من حولك يتحدث كل اللغات إلا لغتك، وأنت بجلدك الأسمر ناشز عن اللوحة، فاخلع نعليك! ليس امتثالاً لطقوس المقول في الأودية المقدسة، وإنما لتركض في داخلك بأسرع ما تستطيع". تحاول الروائية ومن خلال تدفق للمعاني تلقائي تصوير الأحداث المتتابعة ماضية بعيداً في عمق المشاعر الإنسانية التي طبعت الرواية بطابع متميز. ليمضي القارئ مسترسلاً مع تلك الفتاة التي سنحت لها الفرص المرور مرور العابرين في قصة عاطفية بريئة في أجواء أبسالا الساحرة ضمن تقاطع سردي رائع من خلال منولوج داخلي تكشف فيه الراوية عن المخزون من المشاعر والمستور من الأفكار.
الحقيقة هي بوصلةُ الكتابة. إنها المكان الذي نتجِّه إليه، سطرًا بعد آخر. ولأن الحقيقة هي جوهر العمل الفنِّي وغايته، كان الوصف، وكان للكتابة الوصفية هذه الأهمية المركزية في العمل الروائي. إنها ليست مجرد أداة نحاول من خلالها تفعيل قدرتنا على نسج العوالم المختلقة، بقدر ما هي الأداة الراصدة للمعنى الذي يريده الكاتب.
إن الحديث عن الكتابة الوصفية لا يمكن أن يحدث بمعزلٍ عن الحقيقة الروائية، وإذا كانت الحقيقة هي الغاية، فإن الوصف هو الوسيلة. وهو وسيلة تأخذ حُكم الغاية.
هذا الكتاب، هو محاولة لتتبع مسار خيطٍ واحدٍ في المعمار الروائي: الخيط الوصفي. وقد نظنُّ الأمر بسيطًا وثانويًّا، مقارنة بمكوِّنات الرواية الأخرى، مثل: الحبكة والشخصيات. عناصر قد تبدو أكثر جوهرية وإغراءً للكاتب المهتم، ولكنَّ الواقع، أن الخيط الوصفي ملتحمٌ بجميع عناصر الرواية، إنه متغلغل في الشخصيات، والحدث، والمكان، ويصعبُ تحقق أي شيءٍ في الرواية بدونه، وهو في أحيانٍ كثيرة، الخطُّ الفاصل بين الرواية والحكاية، وبين الأدب الجيد والكتابة الرديئة.
إن الحديث عن الكتابة الوصفية، ويا للمفاجأة! هو حديثٌ عن كتابة الرواية برمَّتِها. إنه رؤية الكلي من خلال الجزئي، وفهم المحيط من قطرة ماء.
يقدم هذا الكتاب للقارئ خة علاجية وتمريناً على القراءة الفعالة يمكن تطبيقها على الادب بشكل عام، وهو مرشد لشراء الكتب وتكوين مكتبة شاملة للادب الانجليزي.
كما يمكن عده محاضرة لدق الاساس في مشروع لتشكيل الذائقة الادبية، فهو يقترح اعمالاً غاية في الابداع لكتاب لم يأخذوا مكانتهم من الاهتمام لدى القارئ الذي حولت مسار ذائقته الادبية كثرة الحديث عن ادباء بعينهم دون الالتفات الى اخرين لا يقلون عنهم ابداعاً
ويمكن اعتماده لفهم كيفية قراءة النص الادبي بصورة مستندة على قيمته الابداعية لا الاخذ بنصائح الكتب الاكثر مبيعاً
"الصبيّة والسيجارة" علامة من علامات أدب الديستوبيا (أدب المدينة الفاسدة) في القرن الحادي والعشرين، ولكنّها دستوبيا ساخرة تُعرّي بخفّةٍ تهافت عالمٍ من المُثل والأحلام والقيم حتّى تغدو الخفّةُ صنوًا للثقل ويصبح الكائن لا يُحتمل. رواية نُشرت سنة 2005 ومع ذلك فقد بلغت حدّ التنبّؤ العام والتفصيلي أحيانا بما سيحدث في سورية مثلا في السنوات الأولى من العشرية الثانية إذ يصوّر الكاتب مشاهد لهو الإرهابيين السينمائي بضحاياهم مسجِّلا سبقا سرديا وحدسيا لما سيشاهده العالم بأسره بعد ذلك على شاشات التلفاز. تنقذ سيجارةٌ حياةَ محكوم عليه بالإعدام فيخرج من غياهب السجن إلى ساحات المجد والشهرة بدعم من لوبيات صناعة التبغ، وتقلب سيجارة حياة موظّف رأسا على عقب فيتهاوى إلى الدرك الأسفل. وبين هذا وذاك رسائل عديدة يبعث بها الكاتب: إدانةُ النفاق الاجتماعي إذ يكرّس شعارات "العناية بالطفولة" محلّ "الأفكار الشمولية". والدعوةُ إلى الاهتمام بأنموذج بشريّ كاد يلفّه النسيان: الرجل الكهل المنتج، تتغذى الإنسانية من لحم كتفيه ولا يغنم غير الإهمال.
بعيدًا عن صخب العواصم الأوروبية وضوضائها، يرتحل كاتبٌ ومخرج سينمائي في عمق الصحراء الجزائرية رفقة فريق من السياح والمستكشفين. جاء الكاتب العقلاني لاقتفاء آثار القديس شارل دو فوكو من أجل كتابة سيناريو فيلم عن سيرته. جاء محملا بأسئلة أستاذ الفلسفة وتصوراته المادية، فضاع وأضاع أسئلته في صحراء الطوارق.. ليلة واحدة من الضياع دون ماء ولا غذاء كانت كفيلة بقلب حياة الكاتب رأسًا على عقب. وليس الكاتب هنا غير إيريك إيمانويل شميت نفسه، وهو يرسم لنا الرحلة التي خاض غمارها في سن الثامنة والعشرين، وزعزعت كل قناعاته الفلسفية المادية، لتفتح قلبه على عالمٍ من السكينة والسلام، وتضع قدميه على مسارٍ جديد سيحدد كل أعماله الأدبية فيما بعد. ليلة النار رحلة في المكان، تنقلب فجأة إلى رحلة داخل عوالم الذات، لتفضح غرورها الزائف وتضعها أمام تناقضاتها في مرآة الكون.. "عندما أقول أنا موجود، فهذا يعني أني لن أكون موجودًا بعد ذلك، وكلمة حي ليست سوى المرادف الحقيقي لكلمة فان، يصبح كبرائي هو عوزي وقوتي تمسي نقصاني، ويمتزج الفخر بالخوف"