في هذه المراسلات نكتشف بعد ما يزيد عن 55 سنة تفاصيل جديدة عن حياة بلاث البارعة في كتاباتها التي تتناول السوداوية والعاطفة الغامرة إن ما غذى موهبتها الأدبية هو واقع معاناتها من الاكتئاب طول حياتها، فقدها لوالدها وهي طفلة ومشاعرها المتضاربة حيال والدتها التي كانت تعاني من ذات المرض بدورها.
الجانب الأعمق لهذه الانفعالات ترتبط بعلاقتها مع زوجها الشاعر تيد هوز، وردود أفعالها ومشاعرها حيال اكتشافها لعلاقته الغرامية مع عشيقته آسيا ويفل، تداعيات هجره لها ولطفليهما، تحولها من حالة النكران إلى الغضب، ثم إلى الاستسلام والانكسار الحزين، وفي النهاية إلى اليأس المطلق الذي أدى إلى الانتحار إلا أنها في جميع هذه المراحل بقيت تكتب الرسائل التي دأبت عليها منذ أن كانت طفلة في العاشرة، وغالبها أشبه بالتقارير اليومية إلى والدتها أوريليا بلاث، وتتوقف عند آخر رسالة وهي في الثلاثين إلى طبيبتها النفسية قبل أيام من إقدامها على الانتحار
تعد "من الاعماق" توثيقاً أدبياً لرحلة اوسكار وايلد الروحية في سنوات سجنه التي غيرت اعتقاداته حول الجمال والتحرر، ليعي من خلالها ان السطحية هي الرذيلة الاكبر. كانت تبعات الاتهام الذي أدى لسجنه تلاحقه على المستويين الشخصي والادبي، دخل أوسكار وايلد السجن تحاصره ضحكات الساخرين والشامتين وجميع من تمنى له السقوط والفشل. حتى ادبه الذي بلغ صيته أعلى المستويات آنذاك، والمسرحيات التي كانت تعرض لسنوات طويلة، توقفت جميعها وحظر إعادة تمثيلها على المسارح الوطنية، واصبحت الكتب التي تحمل اسمه ممنوعة من التداول ومع ان كل هذه التبعات كانت قاسية وشديدة الوطأة عليه، ومدمرة لمركزه وحياته، إلا ان وايلد يرجع سبب معاناته وألمه الرئيسي الى خذلان صديقه له ونسيانه جميع ما قدمه اليه من محبة وصدث واخلاص. هذه الرسائل حصاد المعانة والحسرة التي قضى بها اوسكار وايلد أيامه في السجن التي تجرعها وحيداً ومخذولاً دون ان تتاح له فرصة رواية قصته من منظوره الخاص، رسائل أُرسلت الى العالم قبل ان تصل الى "ألفريد دوجلاس"، تتضح فيها طبيعة العلاقة التي جمعتهما وأثرها على حياة وايلد وفنه، وما آلت إليه من خساة وخذلان، وكأنه كان يكتب ليكون هنا، ليكون حراً، ليحلّق ولو قليلاً رغم الجرح الذي يطوّق جناحيه.