عندما كنت صغيرة، كان أبي يقرأ لنا قصص شارلوك هولمز قبل الخلود إلى النوم. وفي الوقت الذي كان فيه أخي يغتنم الفرصة ليغفو حالًا في زاويته على السرير، كان بقيتنا يستمع إلى أبي باهتمام. وإني أتذكر الأريكة الجلدية الكبيرة التي كان يجلس عليها أبي ممسكًا بالكتاب من أمامه بذراع واحدة بينما كانت ألسنة اللهب المتراقصة والمنبعثة من الموقد تنعكس على نظارته ذات الإطار الأسود. وأتذكر أيضًا الارتفاع والانخفاض في صوته كلما تعاظم التشويق متجاوزًا نقطة الانهيار. وأخيرًا يأتي الحل المنطقي بعد طول انتظار، فأهز برأسي –تمامًا كالدكتور واتسون-وأفكر" طبعًا، الأمر برمته وما يقوله الآن هو أمر في غاية البساطة". وأذكر كذلك رائحة الغليون الذي كان أبي يدخنه بين الحين والآخر، حيث كان مزيجًا من النوع الترابي ورائحة الفواكه، وكانت رائحته تتسرب إلى ثنايا الأريكة الجلدية. وبطبيعة الحال، كان غليونه دائمًا منحنيًا قليلاً تمامًا كغليون هولمز. ومما أتذكره أيضًا الطريقة التي كان أبي يغلق بها الكتاب بعد الانتهاء من القراءة، حيث كانت صفحاته السميكة تلتصق ببعضها البعض بين غلافيه القرمزيين حين يقول أبي:" يكفي هذا لهذه الليلة". وبغض النظر عن حجم توسلنا له والحزن الذي يرتسم على وجوهنا، كنا في نهاية المطاف نستسلم ونصعد إلى أسرتنا في الطابق العلوي. .
اتجهتُ نحو "السيفة". خلو المكان أغراني كي أتشبع منه. رفعتُ عباءتي قليلًا لأخوض في مياهه. أراقب قدميَّ كما كنتُ أفعل في طفولتي خوفًا من لسعة قنديل بحرٍ أو زجاجٍ مكسور. أراهما تلتمعان تحت المياه التي تخترقهاأشعة الشمس. ماذا يفعل الناس الذين لا خور لديهم ولا بحر؟ كيف يرطبون أحزانهم ويغسلون أوجاعهم؟ لمن يشتكون ويبثون أسرارهم؟ إنه ملاذي حين تضيق بي الدنيا وحين تبتسم أيضا.
قوارب "العبرة" في حالة حركةٍ مستمرة بين ضفتي الخور. كنا أنا ومريوم نصنع قوارب ورقية وندفعها دفعًا نحو الضفة الأخرى. عندما كبرنا قليلًا بدأنا نكتب رسائل في قصاصات ورق صغيرة وندسها في تلك القوارب. كلماتٌساذجةٌ تشبهنا. نختلق بعدها قصصًا وحكاياتٍ عن شخص يحالفه الحظ بالحصول على تلك الرسائل. نتخيّله يقرأها. يحفظ اسمي واسمها. يعبر الخور للبحث عنا. رحلت مريوم، ورحلت معها كل القوارب والحكايا التي كتبناها. لعلها تقبع في مكان ما تحت أعماق الخور، ربما قرب تلك السفينة التي حملت أمي على متنها ذات يوم.
"لقد تحدثنا عن حالات متناقضة متنوعة في العالم، حالات خارجية كقضية اللاجئين وعذابهم وأهوال الحرب والفقر والانقسامات الوطنية والانقسامات الدينية والظلم الاقتصادي والاجتماعي، وهذه بالطبع ليست مجرّد حالات نظرية، بل حقائقَ فعليةً لما يجري في العالم من عنف وفوضى بشعة وكراهية وغيرها من أشكال الفساد.
وتجتاح هذه الفوضى البائسة عالمنا الداخلي كما الخارجي، فنحن في صراع مع أنفسنا، تعساءُ بشدّة، غير راضين عن أنفسنا، نسعى خلف المجهول، عنيفون وعدائيون، وحيدون تخنقنا المعاناة، ويبدو أنّنا عاجزون عن تحرير أنفسنا من هذه القيود، رغم سعينا الحثيث في اختبار كل أنواع علاجات السلوك والعقوبات الدينية وممارساتها، من حياة الرهبنة وحياة التضحية والإنكار والقمع والسعي المحموم الأعمى من كتاب لآخرَ، من دين لآخر ومن مُعلّم روحي لآخرَ، وانتهاء بالقيام بإصلاحات سياسية و ثورات، إلاّ أن محاولاتنا باءت بالفشل في التخلص من هذه الفوضى المقيتة سواء داخل أنفسنا أم خارجها.
تجدنا نتتّبع تعاليم أحدث معلّم روحي ممن يقدّم لنا نظاماً أو ترياقاً أو طريقةً ما تنقذنا من بؤسنا، والنتيجة هي الفشل مجدداً في حلّ أي من مشاكلنا؛ وأعتقد أنّ أي شخص عادي سيتساءل: أعلم أنّي عالقٌّ مقيّدٌ في فخ الحضارة والبؤس، في حياة ضيقة محدودة وبائسة، لقد جرّبت كلّ شيء لكن الفوضى لم تبارحني، ما الذي عليّ فعله؟ وكيف لي التحرر من هذه الحيرة والضياع؟" .