بتجربتها وقاموسها الخاص، بقدرتها على التعبير عن تفاصيل المشاعر والأحاسيس، وبراعتها في رصد تلك المساحة الفارغة بين الحلم والواقع، تطرز بسمة العوفي قصص هذه المجموعة الثلاث عشرة؛ كل واحدة منها بمذاق مختلف و"وصفة " فنية فريدة تتحدى بها رجفات الإحساس بالوحدة والخوف، سلاحا تواجه به العزلة والاغتراب، وتحكى بعمق عن لحظات الحب القصيرة، بحساسية عالية تجعلها قادرة على استدعاء الأصوات والصور والألوان وتمزجها فى لوحات قصصية بديعة.
مدينةٌ من بُخار هي إمتدادٌ للعالم الأدبيّ الذي دارت "مقبرة الكتب المنسيّة" في فلكه، سواءٌ من حيث تطوُّر جوانب مجهولة لبعض الشخصيّات، أم من حيث التعمُّق في تاريخ بناء المكتبة الأسطوريّة، ومن حيث إنّ الموضوعاتِ والدوافعَ وأجواءَ هذه القصص مألوفةٌ لدى قرّاء الملحمة. كُتّابٌ ملاعين، معماريّون حالمون، هويّاتٌ مُنتَحلة، أبنيةٌ عجائبيّة، سلاسةٌ في الوصف شديدةُ الإغراء، براعةٌ في نسج الحوار... ولا سيّما الوعد الذي تقطعه الحكاية، والقصّة، وفعل السرد بحدّ ذاته، بإصطحابنا إلى عالمٍ جديدٍ ومذهل. هي مجموعةٌ قصصيّة تقدِّم عيّنةٌ من مهارة كارلوس رويث ثافون في بناء أدبٍ متميّزٍ ومتفرّد، نرى فيه ملامح رواية النشوء، ورواية الإثارة، والرواية التاريخيّة، والقوطيّة، والرومانسيّة، من دون أن تغيب عنها لمسته الفنيّة المبهرة لنموذج الحكاية داخل الحكاية.
يقول هاشم: بدت جدّتي متضايقة، قلقة، وحيرى، وكأنها فقدت شيئًا ثمينًا.
خرجت من المخزن وتوجّهت إلى الصّالون، جلست تفكّر ماذا تفعل؟ وكيف تطبخ الأرز دون كيل؟
لم تتمكن جدّتي من الاستقرار، نهضت ومشت لتبحث في المطبخ،
ثم وقفت في وسط المطبخ وقالت: لن أطبخ الأرز اليوم!
أحداث قصّة "مكيال جدتي" مستوحاة من قصّة واقعية. عن جدّة طيبة ضاع مكيالها ذات يوم ..
في القصة ملحق يحتوي عرضًا للمقاييس والمكاييل وما يعادلها ..
ومرفق معها أيضًا لعبة الذاكرة
في محاكاة لا تُخفى لكتاب (ألف ليلة وليلة)، يعمدُ الروائي الاسكتلندي (روبرت لويس ستيڤنسون) إلى خلق عوالم حكائيّة أشبه بعوالم (شهرزاد) وهي تروي حكاياتها المترادفة. فيكتب في نهاية حكايته الأولى أن مؤلّفه العربيّ هو الذي روى الحكاية، ثم يعقب بعبارة تشير إلى أنه سيروي بعدها، وعلى غرار ديك الصباح وسكوت شهرزاد عن كلامها المُباح؛ حكاية أخرى ستُشير بصريح العبارة إلى ما قبلها من أحداث، ومع نفس الشخوص، وكذا الأمرُ مع الثالثة.
يتضمّنُ هذا الكتاب ثلاثاً من أقاصيص ستيڤنسون المتسلسلة. التي ضمّها مع عددٍ من الحكايات المُشابهة في مؤلفه ذي المجلّدين (الليالي العربية الجديدة). وعلى الرغم من أن أحداثها كانت تدور في أوروبا الحديثة (النصف الثاني من القرن التاسع عشر)، إلا أنه كان يرسم فيها، وبأسلوب خاصّ به، صلةً بالبُنية المتداخلة للحكايات العربية إيّاها.
في مقال لخورخي لويس بورخيس عن الأدب الإنجليزي، تناول فيه أدب ستيڤنسون، يقول: «يتناول عمل روبرت لويس ستيڤنسون - الليالي العربية الجديدة - المُثير للإعجاب موضوع الأمير المتنكّر الذي يجوب المدينة برفقة وزيره وهما يخوضان معاً المغامرات الغريبة. لكن ستيڤنسون اختلق أميره، فلوريزيل من بوهيميا، ورفيقه العقيد جيرالدين، وجعلهما يمشيان في أرجاء لندن. ليست لندن الحقيقية، بل لندن الشبيهة ببغداد، وليست بغداد الحقيقية بل بغداد ألف ليلة وليلة».
«سحر النساء يتجلّى فيما ينفثن في الحديث التافه من لذة». المجموعة القصصية الأولى لنجيب محفوظ.. تألق البدايات، روعة الانطلاقة الأولى للروائي العربي الأهمّ، يبرع في تصوير منطق النفس الإنسانية حينًا وجنونها أحيانًا؛ حيث الهذيان ظاهرة عجيبة تدلّ على أن الإنسان قد يخون نفسه كما يخون الآخرين، وتدور غالبية القصص في عالم القاهرة السفلي وفضائحه وتناقضاته؛ فأفدح المواقف أدعاها للضحك. «غالبًا ما يُفيد البرود، وهو إن لم يُفد يُعزّ عن الخيبة». ومجموعة "همس الجنون" تتألف من 28 قصة قصيرة كتبها نجيب محفوظ عام 1948، ونشرت حينها في الصحف والمجلات. «إن للعادة سلطانًا لا يُقاوَم فهي تجعل من الغريب الذي ينفّرنا شذوذه شيئًا مألوفًا وربما محبوبًا، كما تهبط بالجمال من عرشه وتفقده جدته وفتوته». يذكر أن السينما استلهمت من "همس الجنون" فيلم "الشريدة" الذي أخرجه أشرف فهمي عام 1980، وقام ببطولته: نجلاء فتحي، محمود ياسين ونبيلة عبيد وصلاح نظمي.
قصص قصيرة:
يحكى أن امرأة عجوز كتبتها بشفتيها الأميتين على دفتر ذاكرتي ، فكبرتُ بها ومعها ، ترددتُ كثيراً قبل إلباس الكلمات ثوباً من فصاحة ، إذ أن اللغة المحكية جزء لا يتجزأ من الحكاية ، ثم إني قررت أن أكسوها حرفاً عربياً من غير سوء ، معتقداً بذلك أني أُطلقها من قفص صدري وذاكرتي إلى فضاء العربيّة الرّحب ، فأنا هنا لا أكتب الحكايات بقدر ما أحررها ، أشرككم ببعض جدتي ، معتذراً أني ما استطعت أن أحمّل الكلمات صوتها الذي مازال يدق في أذنيّ كناقوسٍ تحرّكهُ رياح الحنين.