هذه سيرةٌ ليست كغيرها من السيَر. يقرؤها الجاهل بتفاصيل حياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيجد فيها الأخبارَ وأُطرَها والقصصَ وعِبَرَها، ويقرؤها العارفُ المُلِمّ، فإذا ما يعرفه من أحداثٍ مُتفرّقة في الزمان وفي المكان يتّحد ويترابط بفاعليّة التأويل وحُسن الاستنباط، فيُشَدّ بعضُه إلى بعض كالخيوط الدقيقة في الحبل المتين. وهل حياة النبيّ الأكرم برُمّتها إلاّ ذاك الحبل الممدود من السماء إلى الأرض؟ وما أوثقه من حبلٍ شهد له الله عزّ وجلّ بأنّه «رحمة للعالمين».
والكتاب مع ذلك ذو طابع حميم هو أبرز ما يُميّزه من كتب السيرة المعروفة قاطبة، فضلًا عمّا فيه من براعة التحليل ولطائف التأويل. وقد وسَمه مؤلِّفه الشاعرُ التونسيُّ الفذّ جعفر ماجد بميسم الشاعريّة ورهافة الحسّ، وما أحوجنا إليهما ونحن نتأمّل سيرةً خَطَّتْها الحكمة الإلهيّةُ والعاطفة والعقل البشريّان في تمازجٍ مُحكم، فحُقّ أن يكون عُنوانها: «مُحمّد النبيّ الإنسان»
نال شرف رسمه وخطه الخطاط أدهم فادي الجعفري على ما يوافق الرسم العثماني الموافق لما كُتِبَ في مصاحف سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه التي أُرسلها إلى الأنصار وهو موافق لما كُتِبَ بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم وما كَتَبَهُ الصحابة الكرام أمام ناظريه ..
وكانت المميزات التي تميز كتابة هذا المصحف كثيرة وعلى سبيل المثال لا الحصر :
1 - تسهيل القراءة على القارئ واختيار أشكال الأحرف الأجمل والأبسط بخط النسخ ووضع التشكيلات في مكانها تماماً حتى يستطيع القارئ أن يقرأ القرآن الكريم بيسر وسهولة .
2 - الوضوح في الكتابة والسهولة في القراءة وذلك بتطبيق عدّة قواعد منها :
آ) بسط الأحرف بشكل كامل وعدم التركيب فيها ليكون تشكيل كل حرف فوقه تماماً.
ب) وضع تشكيل الحرف قريباً من الحرف .
جـ) اعتماد النموذج الأوضح من كل حرفٍ : مثلاً الميم المفتوحة في كل حالاتها بدل المطموسة ، والهاء ( أذن الفرس المعقودة ) ، دائماً في وسط الكلمة ، وغير ذلك .
د) اعتماد قواعد جديدة في تركيب السطر حيث جُعلت الأحرف على نسق واحد وتباعد مدروس للكلمات عن بعضها وربط العطف والنفي بالكلمة التي بعدها المتعلقة بها .
3- وضع أرقام الآيات ملاصقة للآية فلا يأتي رقم آية في أول السّطر .
4- تعظيم لفظ الجلالة ( الله ) وجعله بخط أكبر من خط الكلمات الأخرى ، تعظيما لاسم الله تبارك وتعالى .
انشغلتُ سنوات طويلة في علم الكلام الجديد، وقرأتُ وسمعت البلبلةَ والغموضَ والتشويشَ والإلتباسَ في تعريفه، وتحديد مفهومه وموضوعه وأركانه ومرتكزاته، فأدركتُ الحاجةَ الماسّة لتأليف مقدّمة تحدّد الإطارَ العام لهذا العلم، وتضع المعيارَ الذي يمكن اعتمادُه في تصنيف هوية المتكلّم والكلام الجديد، وتوفّر للباحثين والدارسين في علم الكلام وفلسفة الدين خارطةَ خارطةَ طريقِ ترسم المعالمَ الأساسية للكلام الجديد.
ينطلق هذا الكتابُ من رؤيةٍ تبتني على أنه ما دام هناك إنسانٌ فهناك أسئلةٌ ميتافيزيقية كبرى، وهذا النوعُ من الأسئلة لا جوابَ نهائيّاً له، وهو ما يقوله لنا تعدّدُ وتنوّعُ إجابات الفلاسفة واللاهوتيين والمتكلّمين المتواصلة لهذه الأسئلة، وتجدّدُها في مختلف مراحل تطوّر الوعي البشري، وفي منعطفات الفكر الفلسفي واللاهوتي والكلامي.
يبدأ علمُ الكلام الجديد بإعادة تعريف الوحي بنحوٍ لا يكرّر تعريفَه في علم الكلام القديم كما هو، اقترحتُ في هذا الكتاب معياراً يمكن على أساسه أن نصنِّف مفكِّراً بأنه "متكلّم جديد"، ويتمثّل هذا المعيارُ في كيفية تعريف المتكلّم للوحي، فإن كان التعريفُ خارجَ سياق مفهوم الوحي في علم الكلام القديم، يمكن تصنيفُ قوله كلاماً جديداً، لأن طريقةَ فهم الوحي هو المفهوم المحوري الذي تتفرّعُ عنه مختلفُ المسائلِ الكلامية، ومن أبرزها مسألةُ "الكلام الإلهيّ" وغيرُها من مقولات كانت موضوعاً أساسياً لعلم الكلام القديم.
إن كيفيةَ تعريف الوحي والنبوّة والقرآن الكريم يتفرّع عنها ويعود إليها كلُّ شيءٍ في الدين، لا يبدأ تجديدُ فهم الدين إلا بإعادة تعريف هذه المفاهيم المحورية الثلاثة، في سياق متطلّبات الإنسان اليوم للمعنى الديني، واحتياجه لما يثري حياتَه الروحية والأخلاقية والجمالية.
إن كلَّ من يقدّم تفسيراً جديداً للوحي، بشرط أن يكون مؤمناً بمصدره الميتافيزيقي، يمكن أن يُصنَّف تفسيرُه على أنه علم كلام جديد.
أما من يقدّم تفسيراً جديداً للوحي، لكنه لا يؤمن بالله العظيم، أو يؤمن بالله تعالى لكنه لا يؤمن بمصدر إلهي للوحي والنبوة والقرآن الكريم، فهو ليس متكلماً جديداً، يمكن أن يكون فيلسوفَ دين لأن المتكلمَ غيرُ فيلسوف الدين، فيلسوفُ الدين يُفكِّر خارجَ إطار الدين، أما المتكلمُ فيُفكِّر في إطار الإسلام، كاللاهوتي في كلِّ دينٍ الذي يُفكِّر في إطار ذلك الدين، وإن كان يستعير مناهجَ بحثه مما أنجزته العلومُ والمعارفُ البشرية.