كتب دوستويفسكي قصة "البطل الصغير" وهو في سجن منفرد بقلعة بتروبافلوسكايا. وبعد ذلك بزمن طويل قال لصديقه: حين وجدتني في السجن قدّرت أن هذه هي النهاية، ولكنني لم ألبث أن هدأت هدوءًا تامًا على حين فجأة. فماذا فعلت؟ كتبت قصة "البطل الصغير". اقرأ هذه القصة! هل تجد فيها شيئًا من غضب أو حنق أو ألم؟ كنت وأنا في سجني أحلم أحلامًا هادئة، طيبة، حلوة، عذبة، وكلما طال بقائي في السجن، ازداد حالي تحسنًا" إن هذا التناقض بين الزنزانة الرطبة مع الانتظار الطويل لصدور الحكم، وبين الأحلام الهادئة والذكريات المضيئة المشرقة لهو ظاهرة نفسية نادرة. وقد علل دوستويفسكي هذه الظاهرة قائلًا: "إن في طبيعة الإنسان حيوية مدهشة! حقًا ما كان لي أن أصدق أن الإنسان يملك مثل هذه الحيوية ولكنني أعرف الآن ذلك بالتجربة". "لقد انتهت طفولتي". ما أروع وصف دوستويفسكي لهذه العواطف التي تضطرم في قلب فتى ملتهب! إن الأسطر الأخيرة من هذه القصة التي كتبها دوستويفسكي قبل نقله إلى المعتقل في سيبريا لهي من أصفى ما خطه قلمه من أحلام رومانسية. إنها وداع للشباب قبيل الآلام التي ستكشف له عن قوة الشر في أعمال النفس الإنسانية. هذه الروح الرومانسية تجمع معظم ما ضمته هذه المجموعة من القصص.
وماذا لو فكّكنا الأسطورة؟ ماذا لو نظرنا إلى الخلف، إلى أولئك الذين جوّعوا شعوبهم وقمعوها واستباحوها، واقتحمنا غرفهم الخلفيّة حيث خطّطوا وأمروا؟ هناك حيث يخلعون بزّاتهم ونياشينهم فيظهر تطيّرهم وحماقاتهم وخوفهم المستتر؟ مخيّلة وجدي الأهدل تسلّلت بخفّة إلى قصور الأباطرة، دخلت مجالس الطغاة، ولمست ذلك الخوف المتخفّي تحت البطش، ثمّ أظهرته بأسلوب ساخر ساركاستي. هذه قصصٌ تذوّب أسطورة مَن قضّوا مضاجع شعوب بأكملها على مدى عقود وأغرقوها في بحرٍ من الخوف والظلمات. قصصٌ تقزّم جبروتهم وتمتّع القارئ. لا، لا تمتّعه فحسب، بل تشكّل انتقامًا أدبيًّا من فقّاعات صادرت حيوات واستلبت مصائر، قبل أن يخزها التاريخ بإبرة سحريّة، كاتبًا لها النهايات التي تستحقّ.
اليوم نتحدث عن الحافة. الحافة الفاصلة بين ما هو خيال وما هو حقيقة.. بين ما هو أسطورة وما هو حقيقة علمية.. الكثير من الأشخاص والأشياء تقف على الحافة، ولقد اقتربنا في كتاب سابق من الأساطير التي تقف على الحافة حتى ليحسبها الناس حقيقة لا شك فيها، لكننا اليوم نفعل العكس فنتحدث عن الحقائق التي تبدو للناس أساطير أو خرافات. كم من مرة سمعت عبارة (غريب لكنه حقيقي)؟.. مراراً.. لكن كم مرة اكتشفت أن هذا الغريب لكنه حقيقي لاحظ له من الحقيقة على الإطلاق؟.. الإنترنت تعج بهذه الحقائق الزائفة التي لا تصمد أمام أية ملكة نقد لديك. هذه مجموعة من المواضيع يربطها شيء واحد، هو أنها حقائق اقتربت من الخيال جداً. قصص لا تصدق عن أشخاص مشوهين وعن علماء قساة وعن ابتكارات بسيطة عبقرية. الديناصور الأخير، والفلاح الذي ولد بركان في حقله، وحلم الطيران لدى البشرية والحقائق العلمية خلف فن الوهم والاختراع الذي لا يعرف أحد أنه من ابتكار أديسون، والوجبة اليابانية غالية الثمن التي يجازف آكلها بحياته، والغوريلا المتكلمة. جاك السفاح وعلاقته بالماسونية، والألعاب التي صنعت مليونيرات من مبتكريها، ولغز اغتيال بونابرت.. الخ.. إنها الحافة حيث عدم التصديق أقرب للطبيعة البشرية من التصديق، وبرغم هذا يجب أن تصدق لأن هذا كله حقيقي تماماً. حرصنا في هذه المجموعة من المواضيع على أن تتنوع المصادر، لأن الإنترنت مليئة بالمعلومات ومتاحة لكل من يجيد الإنجليزية، لهذا اعتمدنا أكثر على الكتب.. وبالذات بعض الكتب والمجلات القديمة أو المنسية التي يصعب أن تجدها في مكتبتك.. إنها جولة ممتعة تمتد عبر القرون وعبر مئات الأميال ومختلف الحضارات.. والأهم أنك سوف تقرأ وأنت تصدق كل حرف تقرؤه لأنه حقيقي تماماً، سوف نقرأ معاً ونقترب أكثر من الحافة.. حافة العلم.
صرت في كل يوم أعود، أتصفح ذاكرتي ووصايا الخالد إسماعيل فهد إسماعيل، وبما أنني رفيق دربه والمؤتمن على إرثه الثقافي بوصيةٍ منه، فقد أصبح لزامًا عليَّ أن أبحث بين ما أبقاه من إرث ثقافي حتى لا أضيع رحلة الكتابة الأولى وجهده الثقافي، وقد كتب في نهاية مجموعته: "البقعة الداكنة - الكرة والباص ـ وتحت الطبع: كانت السماء زرقاء"، إذًا فهو الراغب بطباعتها وتقديمها إلى قارئ القرن الماضي، ولكن سفينة الرواية حملته إلى ضفاف أخرى.
وعلى هذا الوقع شاورت أبناء مدينته وحراس كلمته بالبصرة فوجدت منهم التأييد، بل كتب صديقه الناقد جميل الشبيبي المقدمة وأشرف الكاتب الكبير محمد خضير على مراجعتها وهذا ما جعلني أشعر بأنني أسير في الاتجاه الصحيح.
الكرة والباص كُتِبت بين عامي ١٩٦٥ و١٩٦٦، وهي تنشر للمرة الأولى كي لا تبقى حبيسة إرثه الأدبي، أقدمها إلى القارئ بأجوائها الستينية ومناخ المجتمع آنذاك.
أقول ببساطة إن أعمال موبسان خالدة بالمعنى الفعليّ للكلمة ، إنني على يقين من أنّها ستعبر القرون وتكرّس صاحبها كأحد أساتذة فن القصة الكبار
- توماس مان إنّ موبسان
في نظري أقرب ما يكون إلى الفنان الخالص ، يكاد يشبه فان غوخ . أرى في عمليهما الكثير من التماثل .
- جورج سيمنون
لقد أبدع موبسان شكلّأ لم يكن موجودًا قبله ، ثم ملأه بمحتوى خصب بقدر ماهو مرعب ، إن كتابته قاتمة وواضحة كأنها الطبيعة مشخّصة .
- فرتنز فيرفيل
النصوص الستة التي نقدّمها إلى القارئ تعدّ من أجمل وأكمل ما كتبه موباسان ، وتتخذ موضوعًا توتّر التحوّل ، أو اضطراب التنقل من حال إلى حال
باختيارنا هذه الأعمال و بتقديمنا النصوص مرفقةً بمجموعة صور كلاسيكية ، لا نأمل فقط أن نقدم للقارئ نموذجًا من أعمال موباسان والأدب الغرائبي ( أدب الفانتستيك ) وإنما أيضًا كتابًا بهجةً للنظر
- المترجم
موعة قصص تحكي فيه القصة الرئيسية عن قصة حياة بحار عاش في أيام الغوص على اللؤلؤ وواكب انكسار واندثار هذه المهنة وما شهدت حياته بعدها من تعب وصبر نحو أمل بمستقبل أفضل وواعد.
«كثيرون هم الذين يعانون المتاعب في سبيل ما يتمثل في نفوسهم من الأوهام»
الكل سمع مرارًا وتكرارًا أن بنات هذا البيت لم يخلقن للزواج، فهل ترتبط وتتزوج بنات البيت سيئ السمعة؟ إذا كنت متيقنًا من الإجابة، فالأجدر بك أن تقرأ هذه المجموعة القصصية، لكن احذر يقينك، واستمتع بالقراءة.
و"بيت سيئ السمعة" مجموعة قصصية تتكون من 18 قصة قصيرة صدرت طبعتها الأولى عام 1965، وترصد ببراعة تحكم العادات والتقاليد الاجتماعية في مجتمعنا عبر حكي ممتع ووصف دقيق.
وفي عالم يقرر من هو سيئ السمعة، يخفي الكلّ وجوههم تحت قناع؛ فكلنا نتخفى تحت أغطية اجتماعية، فما مصير من لن يتخفى؟
«- إني أعجب كيف أني أكرِّس حياتي لإضحاك الآخرين.
- ألا يدفعون ثمن ذلك بسخاء؟»
تتخذ الكاتبة السورية غرام الحسين من الأحداث السياسية الأخيرة الجارية في بلادها متناً لتجربتها الأدبية الأولى جمعُ تكسير (أشياء قصيرة للغاية)، وتبرز في سياق هذا المتن أحداث مفصلية وحالات إنسانية لها وقعها الخاص في الذاكرة الجمعية وفي وعي أبطال القصص؛ وإذ بنا أمام كتابة تقتطع جزءاً من اللحظة الراهنة وتجزؤها إلى لحظات صغيرة منفصلة بعضها عن بعض تكشف ملامح الشخوص وتفضح الممارسات غير الإنسانية القدحية والجارحة للمشاعر والكرامة الإنسانية؛ إلا أنه من بين المهيمنات الفنية غير النمطية التي تثير الانتباه في هذه المجموعة القصصية، نشير إلى ما يمكن تسميته بـ الأسلوب التلغرافي في الكتابة، أو أسلوب القصة البرقية، ففي كثير من الـ (أشياء قصيرة للغاية) التي اختارتها الكاتبة، تحضر الصور التي تومض كالبرق الخلب، واللحظات الخاطفة، والمشاهد الموجزة، وإذ ندع القارئ يقع بنفسه على نكهة هذه القصص القصيرة جداً، نودُّ اهتبال مناسبة الكلام عن صاحبتها، لنقول أن غرام الحسين بدت متمكنة من فنها، فهي حاولت جاهدة أن تُقدم لنا أفضل ما لديها في شكل أدبي مضغوط، لا يسمح لها إلا بهامش ضيق من المناورة الأدبية (شكلاً ومضموناً). فهي تعرض علينا الحياة الواسعة والعريضة لشرائح مجتمعية تعيش الحياة بكل دلالاتها السلبية الرعب، الخوف، عدم الاطمئنان، انتظار الموت والسجون، ما يجعلنا نرنو كمواطنين بنسختنا العربية وليس السورية فقط إلى مستقبل يعمه السلام، لكن هيهات أن تتكسر الأزمنة الرديئة؛ أزمنة الحروب المشتعلة في كل صوب وحدب. تقول الكاتبة عن عملها هذا تحت عنوان مقدمة متأخرة جداً: ... جمعُ تكسير: إذا أردتُّ أن أُعرّفها فلستُ أراها مجموعة لقصصٍ قصيرة (ولو كانت تنتمي أدبياً لهذا المجال - على ما أعتقد -) ولكن أراها مجموعة لأشياء لا متناهية.. في القِصَر، وأجهلُ لماذا كتبتها بصيغة المؤنث، ولعلّني أصلاً قد أخطأتُ لفظها وهي في الأصل (جمعُ تكثير).... تضم المجموعة جمعُ تكسير عشرون قصة قصيرة جاءت تحت العناوين الآتية: نافذة من القلب، مصالحة وطنية، مقاربات، المواطن سين، تنويه، على الهامش 1، ارتجال، البرميل والغميضة، على الهامش 2، الفيضان، صبي الحلاق، على الهامش 3، هنا الخالدية، ليلى والذئب.. وثالثهما، على الهامش 4، تغيير في القواعد الدائمة، وانشق القمر، هي وظلها، بحرّ على الرمل وهاجرْ (عنها وعني).
كانت إدنا تسير في الشارع وهي تحمل حقيبتها الخاصة بالبقالة عندما مرت بالسيارة.رأت لافتة على النافذة الجانيبة مكتوب عليها"مطلوب امرأة"توقفت.وجدت قطعة كرتونية كبيرة ملصقة على النافذة أغلب حروفها بالآلة الكاتبة.لم تستطيع قراءتها من وقوفها على الرصيف.
الحكي مهنةٌ قديمةٌ، وهذه الحكايات هي من بين أقدم ممتلكاتنا. فطوال سنواتٍ طويلةٍ قبل مجيء البِيض إلى وطننا، كانت هذه الأساطير تُروى وتُروى، وتنتقل من جيل إلى جيل. كانت تمثّل كتبنا، وأدبنا، وكانت ذكرياتُ الحكّائين الأوراقَ التي دُوّنت عليها هذه الحكايات.كان الحكي، وما يزال اليوم، وسيلةً لتزجية الوقت، ولكنّ القيمة الحقيقيّة للحكايات القبَليّة تكمن في حقيقة أنّها مرتبطةٌ ارتباطًا وثيقًا بحيوات ناسها. وكما هي الحال مع التاريخ ومع الأدب، باتت هذه الحكايات أعرافًا متوارثة، وقد اتّسمت باتّساعٍ يماثل اتّساع تجارب الشّعب.
فيها ومن خلالها عاش شجعاننا وأبطالنا. ووجدنا فيها الدّروس والمغازي الأخلاقيّة التي تُرشد أيّامنا. وهناك، أيضًا، حكايات خرافيّة رائعةٌ في فانتازيا خيالها الجامح.ولكنّ أساطيرنا ترحل كما يرحل عجائزنا، وشبابنا لا يتعلّمونها – وهذا يشكِّل جانبًا من جوانب دمارنا. هذا محزن، على الأخص لأنّ عموم النّاس باتوا يدركون بقدرٍ ما أهميّة هذه الحكايات. وبهذا، ومن خلال تدوين حكايات قبيلتها، تُؤدّي هوميشوما واجبًا لأسلافها، وتُؤدّي في الوقت ذاته خدمةً للأخلاف. هذه الحكايات قيّمة. وستُواصل اكتساب أهميّة أكبر فأكبر مع مرور السنوات، إذ إنّ روح الهنود ستحيا وتتنفّس من خلال نُثار الأغاني والقصص المدوَّنة، ومع أنّ شخصيّة الهنديّ الأميركيّ ستترجّل إلى الأبد من خشبة الحياة، إلا أنّ الرّوح خالدة.